اسماعيل بن محمد القونوي

139

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( التوهم من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة ) جعل الجهتين كناية عن جميع الجوانب لأن المجيئة التي مبدؤها بين أيد أي أمام ومنتهاه الخلف وبالعكس يستلزم الجهات الأربع وهو المراد هنا أو الجهات الستة ثم المراد به من كل جهة وطريق من طرق الإرشاد بالموعظة الحسنة والحكمة والمجادلة التي هي أحسن وحاصله بذل الوسع في دعوتهم مع الرفق واللينة وإلى كون هذا المجاز مراد أشار بقوله واجتهدوا بهم الخ من كل جهة أي من كل وجه يمكن الدعوة به . قوله : ( أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة وكل من اللفظين يحتملهما ) أو من جهة زمن الماضي أي المراد بأيديهم الزمن الماضي ومستعار له والمراد بخلفهم الزمن المستقبل استعارة له بجامع أن كل حادث محتاج إلى الزمان والمكان فالموضوعان للجهتين المكانيين أعني القدام المنفهم من بين يديه والخلف مستعاران للزمان الأول للماضي لأن الماضي قدامه والثاني للخلف لأن المستقبل خلفه وقد جوز العكس في آية الكرسي وقال لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي وإلى هذا أشار بقوله وكل من اللفظين يحتملهما . قوله : ( أو من قبلهم ومن بعدهم إذ قد بلغهم خير المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين ) ومن قبلهم معنى بين أيديهم ومن بعدهم معنى ومن خلفهم فحينئذ جمع الرسل ظاهر لكن المجيئة يحتاج إلى التمحل ولذا قال إذ قد بلغهم خبر المتقدمين الخ تنبيها على أن المراد بالمجيء بلوغ خبرهم ولا ريب في تكلفه وعدم احتياجه إليه . قوله : ( داعيين إلى الإيمان بهم أجمعين ) داعيين بصيغة التثنية إلى الإيمان إشارة إلى قوله : أو من جهة الزمن الماضي فسر من بين أيديهم ومن خلفهم على وجهين الوجه الأول تفسير بحسب الحقيقة لا من بين أيديهم ومن خلفهم حقيقة في المكان والوجه الثاني تفسير بحسب المجاز إذ قد يستعار للزمان ما هو موضوع للمكان وهذا معنى موضوع للمكان وهذا معنى ما روي عن الحسن أنذروهم من وقائع اللّه فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم . قوله : أو من قبلهم ومن بعدهم أي إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم ولما كان هذا الوجه غير ظاهر المعنى محتاجا إلى البيان إذ الرسل الماضون قبلهم والرسل الذين سيجيئون بعدهم غير حاضرين في زمانهم فكيف يقال فيهم إنهم جاءتهم وكيف يخاطبونهم بقولهم فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ بين رحمه اللّه معنى هذا الوجه فقال إذ قد بلغهم خبر المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين داعيين إلى الإيمان بهم جميعا يعني نزل مجيء خبر من قبلهم ومن بعدهم من الرسل منزلة مجيء أشخاصهم فكأنهم جميعا حاضرون في زمانهم يدعونهم إلى الإيمان بهم وهم يخاطبونهم بقولهم فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فقولهم هذا خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان على سبيل التغليب .